الذهبي
21
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
يقوتهم مدّة الحصار ، فدخلوا الجبال وتوسّطوها ، فجهّز السّلطان وراءهم ثلاثة آلاف فارس ، فأخذوا عليهم المضايق والمسالك ، وواقعوهم ، وقتلوا فيهم وأسروا . ثمّ خرج في اليوم الموعود ، وعبّى جيشه للمصافّ ، فلمّا تراءى الجمعان ، خذله أخوه غياث الدّين وفارقه بعسكره ، فتبعه جهان بهلوان ، لوحشة حدثت له ذلك الوقت ، وتغافل السّلطان عنه ، ووقف التّتار كراديس متفرّقة مترادفة ، فلمّا حاذاهم جلال الدّين أمر رجّالة أصبهان بالعود ، ورأى عسكره كثيرا ، وتباعد ما بين ميمنة السّلطان وميسرته حتّى لم تعرف الواحدة منهما ما حال الأخرى ، فحملت ميمنته على مسيرة التّتار هزمتها ، وفعلت ميسرته . فلمّا أمسى السّلطان ، ورأى انهزام التّتار نزل ، فأتاه أحد أمرائه وقال له : قد تمنّينا دهرا نرزق فيه يوما نفرح فيه ، فما حصل لنا مثل هذا اليوم وأنت جالس ، فلم يزل به حتّى ركب وعبر الجرف ، وكان آخر النهار ، فلمّا شاهد التّتار السّواد الأعظم ، تجرّد جماعة من شجعانهم ، وكمنوا لهم ، وخرجوا وقت المغرب على ميسرة السّلطان كالسّيل وحملوا حملة واحدة ، فزالت الأقدام ، وانهزموا ، وقتل من الأمراء ألب خان ، وأرتق خان ، وكوج خان ، وبولق خان ، وماج الفريقان ، وحمي الوطيس واشتدّ القتال ، وأسر علاء الدّولة آناخان صاحب يزد ، ووقف السّلطان في القلب وقد تبدّد نظامه ، وتفرّقت أعلامه ، وأحاط به التّتار ، وصار المخلص من شدّة الاختلاط أضيق من سمّ الخياط ، ولم يبق معه إلّا أربعة عشر نفسا من خواصّ مماليكه ، فانهزم على حميّة ، فطعن طعنة لولا الأجل ، لهلك . ثمّ أفرج له الطّريق ، وخلص من المضيق ، ثمّ إنّ القلب والميسرة تمزّقت في الأقطار ، فمنهم من وقع إلى فارس ، ومنهم من وصل كرمان ، ومنهم من قصد تبريز . وعادت الميمنة بعد يومين ، فلم نسمع بمثله مصافّا لانهزام كلا الفريقين ، وذلك في الثّاني والعشرين من رمضان . ثمّ لجأ السّلطان إلى أصبهان ، وتحصّن بها ، فلم تصل التّتار إليه ، وحاصروا أصبهان ، وردّوا إلى خراسان [ ( 1 ) ] .
--> [ ( 1 ) ] انظر خبر ( الموقعة ) في : الكامل لابن الأثير 12 / 470 ( باختصار ) ، وسيرة جلال الدين ص 232 ، ودول الإسلام 2 / 97 - 98 ، والعبر 5 / 97 ، والمختار من تاريخ ابن الجزري